السائرون في شوارع القاهرة، لا سيما شوارعها الرئيسية، تحت وطأة قيظ تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، سوف يلاحظون تلك اللافتات التي أخذت ألوانا زاهية ومختلفة، إعلانا عن مشروع القراءة للجميع وهو المشروع الذي ترعاه قرينة رئيس الجمهورية السيدة سوزان مبارك. وعلي الأرجح لن يتمكن هؤلاء المارة من تمييز مفردة القراءة للجميع المكتوبة بالخط الأبيض وسط ضجيج الصورة السريالية التي تمثل خلفية لها، حيث يقف شخص ما موليا ظهره للرائي بينما تناثرت حوله موجات أثيرية ـ باهتة ربما كانت تجريدا لصورة عدد من الكتب ـ تمثل ـ ربما ذلك الإشعاع العبقري الذي أصابه من جراء انتسابه لمشروع القراءة للجميع.
وما يمكن إجماله حيال هذه الصورة في مواجهة ما يحدث في مصر علي مستويات عدة سيبدو مفارقا إلي حد الهزل، فالمشروع الذي يعلن عن نفسه فقط في اللافتات بعد أن أصبح يعيش أقصي سنوات انحساره وتقلصه، لم يقتصر علي ذلك بل نشر تلك اللافتات علي واجهات المدارس وقصور وبيوت الثقافة، وسيعجب المرء عندما يمر أمام تلك البنايات ويجد أنها مغلقة الأبواب طيلة شهور الصيف، ولا يوجد بداخلها ما يشي بثمة علاقة بين الأنشطة الفعلية واللافتات المتناثرة هنا وهناك.
وكان الدكتور ناصر الأنصاري رئيس هيئة الكتاب المشرفة علي إصدارات المشروع قد تسلم الهيئة من سلفه الراحل سمير سرحان في حال يرثي لها، بعد أن وصلت إلي درجة مريعة من العشوائية والتصرفات غير المفهومة حيث كان يحصل بعض الكتاب سنويا علي ما يربو علي المئة ألف جنيه مقابل إعادة طبع كتاب أو كتابين، مثلما كان يفعل سمير سرحان مع رؤساء تحرير الصحف القومية السابقين، فتحول المشروع إلي ما يشبه الأداة المحكمة للتدجين في الواقع الثقافي.
غير ان ما حدث مع الأنصاري، الجنرال نظيف اليد، وهو نوع من التقليص الكامل لنفوذ الفساد في المشروع، وقد كانت أولي هذه المظاهر استبعاد الكثير من الكتاب الذين ارتبطت أسماؤهم بالعمل الإعلامي، وكذلك تقليص وجود بعض أسماء كبار الكتاب الذين أعيدت طباعة أعمالهم أكثر من مرة بالمشروع الذي تجاوزت سنواته الخمس عشرة سنة.
ولا شك أن المشروع أعاد نشر عدد كبير من تراث المكتبة العربية والأجنبية، عبر سنواته الماضية لا سيما مشروع النهضة الذي تضافرت جهوده مع مطالع القرن الماضي ونهايات القرن الذي يسبقه وفي هذا السياق أعاد المشروع الاعتبار لأسماء مهمة من هذا الرعيل مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، طه حسين، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، هذا إلي جانب ابتعاث أسماء ضاربة في عمق الثقافة العربية مثل المعري، ابن سينا، ابن رشد، ابن عربي، وهو ما حدث علي المستوي الإبداعي والفكري، كما استطاع المشروع عبر سنيه المبكرة إصدار مقدمة ابن خلدون، الكوميديا الإلهية، رسالة الغفران، بدائع الزهور، تاريخ الثورة الفرنسية، مروج الذهب، الفتوحات المكية، الأمير لميكيافيللي، الجمهورية لأفلاطون، تهافت التهافت لابن رشد، كليلة ودمنة، تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي، والتاريخ الجامع لهيرودوت، بالإضافة إلي إصداره عددا من المراجع المهمة في الأعوام الأخيرة، والتي يأتي من بينها موسوعة مصر القديمة لسليم حسن والتي تقع في ستة عشر جزءا، وتاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر لعبد الرحمن الرافعي، ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، بالإضافة الي عدد من الكتب الفكرية المهمة مثل تاريخ الفكر المصري في العصر المسيحي، فضلا عن المختارات الإبداعية المتميزة لكبار شعراء العربية، وكذلك إصدار عدد من الروايات والمجاميع القصصية التي تمثل علامة في تطور القصة والرواية العربيتين.
وقد ساعد السعر البسيط والمدعوم الذي تباع به كتب وإصدارات المشروع علي إتاحة الفرصة لعدد غفير من العامة الذين يطمحون إلي الارتباط بشكل ما بالمعرفة الجادة، أن يقتنوا العديد من هذه الإصدارات لا سيما ان ذلك يأتي في ظل ارتفاع غير محتمل في أسعار الكتاب علي المستوي العام، فضلا عن أن نسبة التوزيع المرتفعة بشكل مذهل أكدت خطأ الافتراض الذي يروج له الإعلام بأن إهمال المثقف والثقافة ناتج من فساد المنتج الثقافي نفسه وغيابه، وقد أثبت الإقبال الرهيب علي شراء كتب المشروع عكس هذا الافتراض، بل علي المستوي المقابل يثبت سوء الطوية والجهل لدي أجهزة الإعلام المختلفة.
ورغم هذه النجاحات التي لا يمكن إنكارها فان ذلك لا يمنعنا من لفت الانتباه إلي عدد من الملاحظات، فالأعوام القليلة الماضية من عمر المشروع لم تشهد الكثير من الإصدارات المهمة، لذلك عمد المشروع ـ بسبب ضعف التمويل غالبا ـ إلي إعادة طرح الأعمال الراكدة لديه من السنوات الماضية
























