التنكيل بالعربية

كتبها أ.د. ريما سعد الجرف ، في 25 أكتوبر 2007 الساعة: 11:07 ص

نتباكى على تدهور اللغة العربية، ونلقي بالاتهامات أحياناً علي قوي غامضة هدفها تدمير لغتنا الجميلة. وقد أصبحت صفة الجمال مبتذلة من كثرة ما ترددت في غياب كل صدي للجمال فيما نستخدم من لغة.
والحق أقول لكم إن أعداءنا ـ ولو اجتمعوا ـ لا يقدرون علي إيذاء اللغة العربية مثلما يؤذيها منهج التعليم الحالي. في كل السنوات الدراسية تحظي كتب العربية بمقدمات تمتدح جمالها الذي لن يتوفر عليه الطالب بين غلافي الكتاب، فالجمال كلمة تلقي، وكأن للسادة المؤلفين قوة إلهية، يقولون لهرائهم كن جميلاً فيكون.
لا يبدو في أي من سنوات التعليم قبل الجامعي أن الجمال هاجس لدي مؤلفي الكتاب، لأن عبودية الكراكيب أصبحت منهجاً في التفكير يتسلل من حياتنا العملية حتى في التعامل مع الأشياء غير المادية كتأليف كتاب في اللغة العربية. فتبدو فكرة الحشد واضحة تماماً ويبدو الكتاب مثقلاً بقضايا درسها الطالب حتى عافها في مواد أخري.
ولكي لا يكون الكلام نظرياً أتوقف اليوم أمام كتاب اللغة العربية للثانوية العامة، التاج البائس للتعليم الأساسي.
للكتاب أحد عشر مؤلفاً وتسعة مراجعين، ثمانية عشر منهم من حملة الدكتوراه.
وفي المقدمة التي تمثلهم جميعاً يخاطبون الطلاب: ها هو كتابكم اللغة العربية وآدابها، بذلنا فيه غاية جهدنا من أجل أن يكون قادراً علي اقناعكم وامتاعكم.. من أجل أن يكون أهلاً لانتقائكم ولاقتنائكم.. ومن أجل أن ينتصر لعلوم العربية علي الوجل منها أو الوجوم تجاهها.. ومن أجل أن يساعدكم علي استثمار وقتكم في التحليل والتعليل بأكثر من الاستذكار أو الاستظهار .
ونكتفي بهذا الاقتباس الذي يوضح الاستعراض اللغوي، وقد أخذ السجع كاتب أو ديوان الإنشاء الذي اشترك في المقدمة إلي متاهة من افتقاد المعني، ويكفي أن نتوقف أمام الجناس الناقص الزلق (الانتقاء والاقتناء) لنسأل كاتب هذه الكلمات: هل هذا المقرر اختياري من حق الطلاب أن ينتقوه أو يلفظوه؟!
الحديث يبدو موجهاً إلي رب عمل، وليس إلي الطلاب (لقد عملنا المطلوب) لأن مضمون الكتاب يعمل تماماً عكس ما جاء بالمقدمة، ويبث الوجل والوجوم والوجد في نفوس رهائن المنهج.

وأول ما يصدمنا هو مقرر القراءة الذي يبدأ كل درس من دروسه ببرواز يحدد الأهداف بدقة ببغائية (الأهداف: في نهاية هذا الموضوع ينبغي أن يكون الطالب قادراً علي: الخ). ويضم المنهج ثماني مقالات، كل منها يحمل رسالة معرفية وأيديولوجية مختلفة،ولا يجمعها أي سياق جمالي، وهو ما ينبغي أن يكون هاجس كتاب لغتنا الجميلة . المقال الأول عن القيم الإنسانية في الاسلام، والثاني عن العلم في الاسلام، والثالث عن مدينة القدس، والرابع عن الأرقام العربية، والخامس عن الأساليب، والسادس عن قضية السكان، والسابع عن اليوجينيا (فكرة الانتقاء البيولوجي) والثامن لمحات من حياة العقاد.
وهكذا يبدو كتاب القراءة غرفة خزين بائسة، بها الفائض عن الحاجة من كتب الدين والاقتصاد والعلوم، والقطعة الوحيدة المسكونة بهاجس اللغة وجمالها هي (أسلوب وأسلوب) وهي مجتزأ خفيف الروح ليحيي حقي في صفحتين اثنتين، بينما يعقبها مقال عن قضية السكان، أجتزئت من عجينته اللغوية فقرة، وليخبرنا ديوان الإنشاء إن كان فيها ما يمكن أن يقنع أحداً بجمال العربية: علي أنه ينبغي توخي الحذر بالفعل من مجرد الانسياق وراء الآمال، فالمعروف أن متوسط النمو الاقتصادي لكثير من الدول النامية لايتعدي المعدلات العالية الحالية للنمو السكاني ويخشي من أن كثيراً من تلك الدول يمكن أن تظل محشورة في مرحلة التحول السكاني ولاتستطيع الإفلات منها إلي المرحلة التالية، وذلك بسبب أن الظروف التي أتاحت للدول المتقدمة أن تنمو ليست متوافرة الآن للدول النامية، خاصة الدول التي تناضل بالفعل من أجل البقاء تحت ظروف المبالغ الرهيبة المطلوبة لخدمة الديون .
طال الاقتباس لكنه مجرد ثلث جملة الكاتب، وعلي من يريد إكمالها أن يرجع إلي كتاب اللغة العربية للثالث الثانوي صفحة 24.
والسؤال الآن: هل يمكن أن نكسب قضية السكان أو قضية اللغة بمثل هذا الأسلوب؟!

القدس العربي

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=2007\07\07-23\20z19.htm&storytitle=ffالتنكيل%20بالعربيةfff

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “التنكيل بالعربية”

  1. كلمة أيديولوجية ( كلمة هجين لغوي )

    الكلمة الصحيحة : عقيدة أو فكر

    تحياتي ،،، فارس المزيني

  2. نتشبث بنظرية العقل تابع والشرع متبوع … وها نحن ندفع الثمن فأصحاب اللغات الأخرى يدرسون جيدا ويعوا اللغة العربية ونقاط ضغفها بحيث وضعوا حواجز لكي لا تنتشر في البقاع معتمدين على ضعف اللغويين العرب الذين بقو منغلقين على أنفسهم ولا يحركون ساكنا وينتظرنا عمل كبير لإعادة الإعتبار للغة العربية.

    عن مدونة مهاري

    صفوان كنقروس

    تونس



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر