هل صارت القراءة فعلا للجميع؟!
كتبها أ.د. ريما سعد الجرف ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 02:55 ص
السائرون في شوارع القاهرة، لا سيما شوارعها الرئيسية، تحت وطأة قيظ تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، سوف يلاحظون تلك اللافتات التي أخذت ألوانا زاهية ومختلفة، إعلانا عن مشروع القراءة للجميع وهو المشروع الذي ترعاه قرينة رئيس الجمهورية السيدة سوزان مبارك. وعلي الأرجح لن يتمكن هؤلاء المارة من تمييز مفردة القراءة للجميع المكتوبة بالخط الأبيض وسط ضجيج الصورة السريالية التي تمثل خلفية لها، حيث يقف شخص ما موليا ظهره للرائي بينما تناثرت حوله موجات أثيرية ـ باهتة ربما كانت تجريدا لصورة عدد من الكتب ـ تمثل ـ ربما ذلك الإشعاع العبقري الذي أصابه من جراء انتسابه لمشروع القراءة للجميع.
وما يمكن إجماله حيال هذه الصورة في مواجهة ما يحدث في مصر علي مستويات عدة سيبدو مفارقا إلي حد الهزل، فالمشروع الذي يعلن عن نفسه فقط في اللافتات بعد أن أصبح يعيش أقصي سنوات انحساره وتقلصه، لم يقتصر علي ذلك بل نشر تلك اللافتات علي واجهات المدارس وقصور وبيوت الثقافة، وسيعجب المرء عندما يمر أمام تلك البنايات ويجد أنها مغلقة الأبواب طيلة شهور الصيف، ولا يوجد بداخلها ما يشي بثمة علاقة بين الأنشطة الفعلية واللافتات المتناثرة هنا وهناك.
وكان الدكتور ناصر الأنصاري رئيس هيئة الكتاب المشرفة علي إصدارات المشروع قد تسلم الهيئة من سلفه الراحل سمير سرحان في حال يرثي لها، بعد أن وصلت إلي درجة مريعة من العشوائية والتصرفات غير المفهومة حيث كان يحصل بعض الكتاب سنويا علي ما يربو علي المئة ألف جنيه مقابل إعادة طبع كتاب أو كتابين، مثلما كان يفعل سمير سرحان مع رؤساء تحرير الصحف القومية السابقين، فتحول المشروع إلي ما يشبه الأداة المحكمة للتدجين في الواقع الثقافي.
غير ان ما حدث مع الأنصاري، الجنرال نظيف اليد، وهو نوع من التقليص الكامل لنفوذ الفساد في المشروع، وقد كانت أولي هذه المظاهر استبعاد الكثير من الكتاب الذين ارتبطت أسماؤهم بالعمل الإعلامي، وكذلك تقليص وجود بعض أسماء كبار الكتاب الذين أعيدت طباعة أعمالهم أكثر من مرة بالمشروع الذي تجاوزت سنواته الخمس عشرة سنة.
ولا شك أن المشروع أعاد نشر عدد كبير من تراث المكتبة العربية والأجنبية، عبر سنواته الماضية لا سيما مشروع النهضة الذي تضافرت جهوده مع مطالع القرن الماضي ونهايات القرن الذي يسبقه وفي هذا السياق أعاد المشروع الاعتبار لأسماء مهمة من هذا الرعيل مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، طه حسين، رفاعة الطهطاوي، قاسم أمين، أحمد لطفي السيد، هذا إلي جانب ابتعاث أسماء ضاربة في عمق الثقافة العربية مثل المعري، ابن سينا، ابن رشد، ابن عربي، وهو ما حدث علي المستوي الإبداعي والفكري، كما استطاع المشروع عبر سنيه المبكرة إصدار مقدمة ابن خلدون، الكوميديا الإلهية، رسالة الغفران، بدائع الزهور، تاريخ الثورة الفرنسية، مروج الذهب، الفتوحات المكية، الأمير لميكيافيللي، الجمهورية لأفلاطون، تهافت التهافت لابن رشد، كليلة ودمنة، تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي، والتاريخ الجامع لهيرودوت، بالإضافة إلي إصداره عددا من المراجع المهمة في الأعوام الأخيرة، والتي يأتي من بينها موسوعة مصر القديمة لسليم حسن والتي تقع في ستة عشر جزءا، وتاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر لعبد الرحمن الرافعي، ويقع في ثلاثة أجزاء ضخمة، بالإضافة الي عدد من الكتب الفكرية المهمة مثل تاريخ الفكر المصري في العصر المسيحي، فضلا عن المختارات الإبداعية المتميزة لكبار شعراء العربية، وكذلك إصدار عدد من الروايات والمجاميع القصصية التي تمثل علامة في تطور القصة والرواية العربيتين.
وقد ساعد السعر البسيط والمدعوم الذي تباع به كتب وإصدارات المشروع علي إتاحة الفرصة لعدد غفير من العامة الذين يطمحون إلي الارتباط بشكل ما بالمعرفة الجادة، أن يقتنوا العديد من هذه الإصدارات لا سيما ان ذلك يأتي في ظل ارتفاع غير محتمل في أسعار الكتاب علي المستوي العام، فضلا عن أن نسبة التوزيع المرتفعة بشكل مذهل أكدت خطأ الافتراض الذي يروج له الإعلام بأن إهمال المثقف والثقافة ناتج من فساد المنتج الثقافي نفسه وغيابه، وقد أثبت الإقبال الرهيب علي شراء كتب المشروع عكس هذا الافتراض، بل علي المستوي المقابل يثبت سوء الطوية والجهل لدي أجهزة الإعلام المختلفة.
ورغم هذه النجاحات التي لا يمكن إنكارها فان ذلك لا يمنعنا من لفت الانتباه إلي عدد من الملاحظات، فالأعوام القليلة الماضية من عمر المشروع لم تشهد الكثير من الإصدارات المهمة، لذلك عمد المشروع ـ بسبب ضعف التمويل غالبا ـ إلي إعادة طرح الأعمال الراكدة لديه من السنوات الماضية بعد تغيير أغلفتها ووضع أغلفة جديدة تحمل تاريخا أحدث، وقد تكرر ذلك الأمر بالنسبة للعديد من كبار وصغار الكتب، وقد خلت بالفعل السنوات القليلة الفائتة من أية إصدارات مهمة اللهم إلا بعض الكتب المرجعية مثل تاريخ القاهرة لعبدالرحمن الجبرتي الذي يحمل عنوان عجائب الآثار في تراجم الأخبار وقد صدر في ثمانية أجزاء من القطع الكبير غير أن هذه الطليعة لم تتوفر بالشكل الكافي نظرا لتقلص عدد النسخ المطبوعة بسبب ضعف الإمكانيات، كما استكمل المشروع بقية أجزاء موسوعة وصف مصر التي ترجمها زهير الشايب لتصل إلي سبعة وعشرين جزءا، وصدرت أيضا ضمن المشروع أعمال الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، وحصاد الهشيم للمازني، وقلوب وعقول لرجاء النقاش وروية الوتد لخيري شلبي، وحكايات من فضل الله عثمان وهي مجموعة قصصية لإبراهيم أصلان، ومجموعة جديدة لمحمد المخزنجي هي أوتار الماء ورواية الباب المفتوح للطيفة الزيات وسيرة الدكتور شوقي ضيف، وأوراق العمر للويس عوض، والحرب الكونية الثالثة للسيد ياسين، نهاية الإنسان لأحمد مستجير.
كما أنشأ المشروع سلسلة سرعان ما توقفت هي سلسلة المرأة والتي أصدرت عددا من أعمال العديد من الكاتبات مثل نعمات البحيري، رضوي عاشوي، ميرال الطحاوي، منال السيد، سحر توفيق، ابتهال سالم، صفاء عبدالمنعم.
غير أن التقليص الكبير لأنشطة المشروع استمر في طريقه رغم أنه بالإمكان تقديم ما هو أفضل بعد أن تراكمت الكوادر والخبرات وأصبحت تمثل رصيدا مهما له أو يفترض أن تكون كذلك.كذلك يستمر اقتصاد المشروع علي إصدار الأعمال التي سبقت طباعتها ويستبعد الأعمال الجديدة غير سابقة النشر، وهو أمر لا زال غير مفهوم حتي الآن، ويبدو متمسكا بتلابيب الماضي بأكثر مما ينبغي.
ولا شك أن عشوائية النظر إلي الإبداع ـ كأحد المقاتل ـ أساءت كثيرا إلي خارطة الإبداع المصري والعربي، فعبر هذه السنين الطوال كان يمكن للمشروع أن يقدم الأعمال الكاملة لأهم الشعراء والروائيين والقصاصين العرب والمصريين، غير أن ذلك لم يحدث إلا في أقل القليل، وفي الحدود الدنيا، وعادة ما يتم تقديم مختارات مبتسرة لأسماء مستقرة لا يتم تجاوزها. كذلك فإن قطاعا مهماً ومؤثرا من الشعر المصري تم استبعاده ولا زال حتي هذه السنة، مرة بسبب الموقف المتكلس من الشعر الجديد ومرة باتهامات أخلاقية، ومرة بالرقابة الصارمة مما يتعلق بالدين والجنس والسياسة.
والمشروع في جملته لم يكن بريئا كل البراءة في توجهه نحو القاريء العام والانشغال بإنشاء مكتبة لكل مواطن، وإن أدي إلي هذه النتيجة، إذ المؤكد أن في مصر من يكدحون ليل نهار ولا يبلغون لقمة العيش الكريمة سواء لهم أو لأولادهم، ولم يعُرف عن الدولة في مصر منذ السبعينيات أنها ربيبة مشروع ثقافي له ملامح واضحة، بل اعتمدت دائما علي تغليب خيار القوة والبطش في تعضيد وجودها، وجاء التوجه الثقافي والإعلامي ـ في العموم ـ تأكيدا علي هذه العقيدة. ولم تكن الثقافة ولا نخبها قائدة للعقل الأمني، بل ما حدث هو العكس تماما، ويعلم عامة وخاصة المواطنين المأزق الرهيب الذي وقعت فيه السلطة منذ بداية التسعينيات عندما خاضت حربا مسلحة بأعلي درجات العنف مع التيارات الدينية التي بادلتها العنف نفسه بعد أن أنشأت أجنحة مسلحة، وهو المناخ الذي أكد حالة الاختناق السياسي بسبب غياب الحوار لسنوات طويلة.
وفي ظل هذه الحالة شهدت وزارة الثقافة نشاطا محموما توجه بالأساس إلي البحث عن إحياء المشروع السياسي الليبرالي عبر إعادة طرح أساطينه من المفكرين والكتاب والمبدعين، وهي المنابع نفسها التي كانت الدولة تسعي إلي تجفيفها، وبدأ العمل بمشروع ما يسمي بالمواجهة، وكان الإعلان عن توجه إصداراته صريحا وغير ملتبس، وكان المقصود بالمواجهة هو مواجهة التيارات الدينية الأصولية الموصومة بالإرهاب والخروج علي شرعية الدولة.
وقد أصدر المشروع في هذه الحقبة عددا من الكتب التي تخدم توجهات الدولة مثل مستقبل الثقافة في مصر لطه حسين، طبائع الاستبداد للكواكبي، المرأة الجديدة لقاسم أمين، الإسلام وأصول الحكم لعلي عبدالرازق، غير أن ارتباط إصدار هذه المؤلفات بالمشروع السياسي الأمني قلل كثيرا من أهميتها وجعلها موضع شك وريبة. ثم تحرك المشروع إلي منطقة أكثر مرونة بعد أن تقلص العنف الديني حتي تلاشي تماما، فأطلق علي نفسه مشروع القراءة للجميع. وبعد مرور أكثر من خمس عشرة سنة علي المشروع هل باتت القراءة فعلا من حق الجميع وفي مكنتهم؟!
القدس العربي ـ محمود قرني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























