حجم تسويق الكتاب في اسرائيل 500مليون دولار

كتبها أ.د. ريما سعد الجرف ، في 9 أكتوبر 2007 الساعة: 10:46 ص

 

ليس صدفة انه وفي العديد من البلدان العربية، فان نسبة الامية بين الرجال تبلغ 55%، وفي صفوف المرأة 60%، وذلك وفقا لتقارير التنمية الصادرة عن الامم المتحدة، والتي تؤكد ان نسبة استعمال الكمبيوتر في تلك البلدان تتأخر بنسب كبيرة عن مثيلاتها في الدول الافريقية. وليس صدفة ايضا انه وفي كل معارض الكتاب العربية فان الكتب الاكثر مبيعا (في الاغلب) هي المتعلقة بفن الطبخ، والابراج والغيبيات مهما بلغت اثمانها، وان مخطوطات الكتب الجديدة تطبع بالف او الفي نسخة علي ابعد تقدير وبرغم المرارة والحزن والالم المتشكلة في قلب كل عربي عندما يسمع مقولة (دايان) بأن العرب لا يقرؤون فان فيها بعضا من الصحة للاسف!

نقول ذلك.. لان المسألة المطروحة لا تنطبق علي المواطن العربي الفقير فقط، والذي يجهد طيلة يومه للحصول علي قوت عائلته بعيدا عن الكتب مرتفعة الثمن وترفها، وانما تنطبق علي مسؤولين كثيرين، تفترض فيهم مهماتهم الوطنية ومعرفة حقيقية لطبيعة اعدائهم، كاشتراط ضروري لمجابهتهم في الصراع. للأسف، فان كافة الدلائل تشير الي المعرفة السطحية في اذهان المسؤولين اولئك لعدوهم.. فتراهم يرددون وعلي شاشات الاعلام العربية والعالمية الفاظا مثل: القردة والخنازير اليهود (يقصدون بالطبع اسرائيل) وهم يجهلون ان مئات الالاف من اليهود، وقفوا تاريخيا وما يزالون ضد اسرائيل والصهيونية، واللتين يعتبرونهما خطرا اكبر من الخطر الفلسطيني العربي علي الوجود الاسرائيلي، وان عشرات الكتب في المكتبة العربية تتحدث عن هذا الموضوع. ما قلناه، هو نقطة في بحر الجهل العربي باسرائيل والتحولات المستمرة فيها.
بالمقابل، فانه ووفقا لاحصائيات بعض الصحف الاسرائيلية والمعاهد المتخصصة، فان حجم سوق الكتاب في اسرائيل يبلغ 500 مليون دولار (نصف مليار) سنويا، ويصدر فيها سنويا اربعة الاف كتاب جديد، ويباع في المعرض السنوي للكتاب مليونا نسخة من الكتب العديدة، وان القاريء الاسرائيلي ينفق حوالي 25 دولارا في الشهر علي الكتب، وانه يقرأ بمعدل 11 كتابا في السنة، مع العلم ان الاسرائيليين يبلغون 7 ملايين نسمة!

لقد كشف الارشيف الاسرائيلي المفرج عن بعضه بعد مرور ثلاثين عاما علي احداثه، دقة معرفة عصابات الارهاب الصهيونية للقري العربية وسكانها وحيواناتها ودواجنها وامزجة مخاتيرها، وتسليحها والقادرين علي حمل السلاح فيها.. الخ، وذلك بعد القيام بمحاصرتها وطرد اهلها ومن ثم تدميرها ومحوها عن الخارطة في عام 1948 والاعوام القليلة التي سبقته في فلسطين. القراءة الاسرائيلية للوضع الفلسطيني والعربي تترجم بحوارات وندوات وكتب وتتوج بمؤتمرات هرتسيليا السنوية، وآخرها المؤتمر الذي يعقد حاليا تحت شعار (مكافحة الارهاب العالمي) بما يعنيه من تفرعات (من وجهة نظرهم)، وفي ابحاث المعاهد المتخصصة، اضافة الي المعلومات الاستخباراتية (بالطبع).

الجيل الحالي من الشباب العربي بمعظمه (وفقا للاحصائيات) يميل الي اخذ معلوماته من الانترنت بشكل رئيسي، علي حساب قراءة الكتب، باستثناء المقررة كمنهج دراسي، وذلك كمحصلة للتطور التكنولوجي، وما تتركه من تداعيات تتمثل في السرعة والوقت والسهولة المتمظهرة في الوسائل الحديثة مقارنة مع الجهد المفترض في القراءة. لهذا وفي هذه المرحلة من التطور تبرز الفضائيات كوسيلة طاغية بين كل الوسائل الاعلامية الاخري، مشاهدة وتأثيرا، فمشاهدة برنامج (علي فضائية مشهورة) يتناول موضوعا فكريا او حدثا سياسيا معينا من خلال الحوار مع كاتب، هو اكبر تأثيرا (للاخير) من مقالات عديدة يكتبها.

لذلك، تحرص اسرائيل، والصهيونية ومنذ نشأتها علي تطوير سيطرتهما علي ما يمكنهما من وسائل اعلامية، متعددة ومختلفة، وفقا لمدي تأثير هذه الوسيلة علي الناس، ولهذا تحرص الولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية عموما علي تمويل العديد من المؤسسات البحثية في العالم العربي وفق خطط مدروسة لمآلات ونتائج الابحاث (في نهاية المطاف) من خلال واجهات كثيرة تتستر بها لتسييد ما تريده من اهداف ثقافية بعيدا عن الموروث التاريخي الثقافي العربي، ومجمل قيمه في المجالات المختلفة بما في ذلك المقاومة واشكالها ووسائلها، في نهج جديد، بعيد كل البعد عن مضامينها الاصيلة. تحرص الولايات المتحدة علي انشاء فضائيات واذاعيات خاصة بها موجهة الي العالم العربي كما الي شعوب كثيرة علي الصعيد الدولي.
انطلاقا مما سبق، يتضح مدي الدور الذي يمكن للفضائيات العربية الرئيسية (بعيدا عن الفضائيات التي حصرت مهمتها في الترويج للابتذال بمختلف مظاهره، وبما يعنيه ذلك من تحريف لاتجاه المعركة الرئيسية للثقافة العربية) ان تلعبه من دور حقيقي في نشر الوعي اولا، والتثقيف الجماهيري ثانيا، وتحويل اتجاهات الرأي العام لما هو مفيد وبما يخدم طموحاتها واهدافها، في الاطار الوطني العربي في مجابهة الاستهدافات.
معظم الفضائيات العربية تعيش محنة (ان جاز التعبير) اتهامها بالولاءات المتناقضة من طرفي مطلق صراع خارجي او داخلي.. فمثلا جري ويجري اتهام فضائيات عربية كثيرة بالانحياز الي الطرف الآخر من قبل الولايات المتحدة اثناء بدئها لحربها العدوانية علي العراق وابان احتلالها الحالي لاراضيه.. اما الطرف الآخر فيتهم هذه الفضائيات بالانحياز الي امريكا. ردود الفعل من هذه الفضائيات تتمثل بمحاولة الدفاع عن النفس من خلال الترويج لحياديتها في الصراعات، وذلك وفقا للاشتراطات النظرية الاكاديمية للاعلام، وبالفهم الافلاطوني له، بعيدا عما يناط به من دور في مجتمعه! بالتالي، كيف يمكن للفضائيات العربية ان تكون محايدة (علي سبيل المثال) في تغطية الحرب العدوانية الاسرائيلية الاخيرة علي لبنان؟ وهل المطلوب منها ان تكون محايدة؟ امام الاعتداءات الخارجية علي الدول والشعوب العربية، فانه يتوجب علي الفضائيات الاصطفاف الي جانب الجماهير العربية.. لان من الاستحالة بمكان والحالة هذه ادعاء الحيادية، التي قد تفهم ممارستها في حالة واحدة: تغطية النزاعات المحلية العربية علي قاعدة اظهار الحقائق كمرتكزات في سبيل تجاوز هذه النزاعات لصالح الاطار الجماهيري العام الطامح لتعميق وحدته الوطنية، ولترسيخ علاقته مع بعده القومي العربي، ولكن، ومع ذلك غالبا ما تفشل بعض الفضائيات في تغطية انحيازها الذي يبدو مكشوفا رغم حرصها، فمثلا في تغطية نزاع محلي عربي، قام فيه طرف اول بالاعتداء علي طرف ثان، فان الفارق كبير بين ايراد الخبر بصيغة (قامت اشتباكات بين الطرفين) بما تعنيه من تضييع لممارسة فعل الاعتداء، وبين ايراده بصيغة (قام الطرف الاول بالاعتداء علي الطرف الثاني)، كم من المواضيع والاحداث الكبيرة بدلالاتها وتداعياتها، كانت ولا زالت تستحق اثارة الحوارات العميقة من حولها، ونسوق بعضها علي سبيل المثال لا الحصر: دلالات انتصار المقاومة الوطنية اللبنانية من زاوية الامكانية الفعلية لالحاق الهزيمة العسكرية باسرائيل، التطهير العرقي الصهيوني للفلسطينيين، وكتاب المؤرخ اليهودي بابيه، الذي يحمل نفس الاسم، ووصول الكاتب الي قرار ذاتي حاسم بمغادرة دولته نظرا لتفشي العنصرية فيها، وما يجب ان يعنيه ذلك من اهمية التركيز علي عنصرية دولة اسرائيل، والتي يجب وضعها علي مشرحة السؤال: هل يمكنها وعلي المدي القريب ان تجنح الي السلام وان تمارسه فعليا؟ وهل يمكنها الموافقة علي اقامة دولة فلسطينية مستقلة الي جانب دولتها؟ وهل وهل، وهل؟ واذا كنا نتناول هذا الجانب كمثال حسي فيمكن تطبيقه علي الكثير من القضايا الاخري العربية وما تثيره من تساؤلات كثيرة وكبيرة في عمقها وابعادها، واذا كانت استضافة اسرائيليين علي الفضائيات العربية هي خطيئة كبري، فان من الخطايا ايضا الاهمال قصدا او عن غير قصد لكافة الملاحظات واعمدة الكتاب التي تتناول هذه المسألة وغيرها من الملاحظات وبامكان القائمين علي هذه الفضائيات الدفاع العلني عن هذه الممارسة او تلك، اذا كانوا حقا يؤمنون بها، الامر الذي يشي في كثير من الاحوال بأن الملاحظات الموجهة لا تجري قراءتها، وهذا مظهر آخر من ازمة القراءة في العالم العربي، الذي لا يقتصر علي وسط اجتماعي معين، بل تمتد جذوره الي كافة الاوساط.

قد يفهم الانشداد الدائم لمعظم الفضائيات العربية للتركيز علي نفس الوجوه انطلاقا مما تمثله من ابعاد معرفية وحضور تكرس من خلال المزيد من الاستضافة، لكن ذلك يغيب كثيرين من المفكرين والمثقفين العرب المبدعين في كتاباتهم حول المواضيع المطروحة والمطروقة ذات الاختصاص، وهو ما ينم عن التقصير في متابعة ما كتب حولها. ما سبق هو محاولة متواضعة للتركيز علي اشكالية في صميم الحياة العربية، وهي تستحق ان تجري النقاشات العميقة لها ولتداعياتها.

القدس العربي

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر